السيد المرعشي
34
شرح إحقاق الحق
مقتديا به في أقواله وأفعاله ، فنشأ عف اللسان ، قوي العزيمة ، طاهر العقيدة ، لم يتدنس بدنس الجاهلية ، ولم يعبد وثنا قط ، ولم يسجد لصنم ، ولذا قيل : علي كرم الله وجهه ( 1 ) .
--> ( 1 ) قال الفاضل المعاصر عبد المنعم الهاشمي في كتابه أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 44 ط دار الهجرة ببيروت : الإمام الصهر الخطوبة والزواج كان الإمام فقيرا لدرجة إنه أي فقره اضطره إلى أن يعمل أجيرا عند أحد الملاك من الأنصار ، فكان يقضي يومه بين الصلاة وري النخيل . وبدا له في هذه الأيام رغبته في الزواج من فاطمة ، وبينما هو يمتج الماء من البئر إذ بعثمان وأبي بكر يمران به ، فأوقفه الرجلان عن عمله وذكراه برغبة كثيرا ما أبداه في الزواج من فاطمة بنت الرسول قائلين : إنه أحق الناس بها ، فغضب علي وعتب عليهما أن كلماه في هذا الحكم الذي ظنه محال التحقيق لفقره وضيق ذات اليد . . إلا أنه كرم الله وجهه تذكر وعدا قد وعده به رسول الله وراح يدق بقدمه المستدق شوارع وطرقا تؤدي إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى وصل هناك ودق الباب فأذن له : فوقف مطأطئ الرأس في حياء أمام رسول الله ، فقال له الرسول : تكلم يا علي ما حاجتك . فذكر رضي الله عنه فاطمة بعد أن تكلم ذاكرا أنه عليه السلام رباه وعطف عليه ووعده أيضا ، وتوقفت الكلمات في حلق الإمام عند هذا الحد حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجابه الرسول باسما وعيناه لا تفارق وجه الإمام . هي لك لست بدجال وهنا يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم إنه قد وعده بذلك أي ليس بكذاب ثم أضاف عليه السلام : وهل عندك شئ ؟ ( يقصد المهر ) فقال الإمام كرم الله وجهه : لا يا رسول الله إنما جئت حاملا كل مالي سيفي ودرعي ، قال عليه السلام : إن السيف للإسلام ليس للرسول أن يقبله ، أما الدرع ففي قوة ذراع البطل غناء عنها ، وتستطيع أن تبيعها وتأتي بثمنها مهرا لفاطمة . فصمت الرسول صلى الله عليه وسلم برهة ثم دخل على فاطمة يقول لها : إن عليا يذكرك فسكتت وأطرقت حياء . . وحسبي أن الرسول قد أشرق على وجهه ابتسامة الرضا عما تم في هذه اللحظات الكريمة . وخرج الإمام بنبأه على أصحابه وكان ممن علموا خبر هذا الحديث عثمان بن عفان الذي اشترى منه الدرع بثمن لا بأس به وأعاده له هدية ليلة زفافه المباركة . وأمهرها الإمام رضي الله عنه بعد أن باع بعيرا كان بملكه أيضا وبعض متاعه أمهرها أربعمائة وثمانين درهما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : اجعل ثلثين في الطيب وثلثا في المتاع . الزفاف وجاء ذلك اليوم . . ودعا بلال عددا من المؤمنين ليستمعوا إلى خطبة رسول الله في زواج الإمام علي بن أبي طالب من فاطمة بنت محمد بن عبد الله وانصرف هو أي بلال فأحضر لوازم الزواج المتواضعة فاشترى بنصف المهر الأشياء التي لا يستغني عنها في بيت : جلد شاة فراشا للنوم قميصين غطاء رأس واحد وسوارين من الفضة ووسادة من الجلد محشوة بسعف النخيل ورحى وإناءين كبيرين للماء وإبريقا من الفخار وقربة . وأنفق الباقي في الزبد والدقيق والتمر لوليمة العرس . وعاد بلال محمدا بكل ما يلزم البيت بينما وقف الرسول صلى الله عليه وسلم يخطب في المسلمين ويقول : الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع بسلطانه ، المهروب إليه من عذابه ، النافذ أمره في أرضه وسمائه ، الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم بأحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه ، إن الله عز وجل جعل للمصاهرة نسبا لاحقا وأمرا مفترضا وحكما عادلا ، وخيرا جامعا وشج به الأرحام ، وألزمها الأنام وقال عز وجل : ( وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ) وأمر الله تعالى يجري إلى قضائه ، وقضاؤه يجري إلى قدره ولكل قضاء قدر ولك قدر أجل ، ولكل أجل كتاب ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي وأشهدكم أني زوجت من فاطمة عليا على أربعمائة مثقال فضة ، إن رضي ذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة . وبعد انتهاء الخطبة دعا لهما بحسن المعاشرة وبالذرية الصالحة المباركة وبعد أن أتم عقد الزواج أحضر الرسول للحاضرين من المهاجرين والأنصار بعضا من التمر وقدمه إليهم قائلا : تخاطفوا . وبعد ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : يا علي إنه لا بد للعروس من وليمة . قال سعد بن أبي وقاص مبادرا في الحديث : عندي كبش وأهداه إلى هذا الحفل الكريم ، وجمع رهط من المسلمين أغلبهم من الأنصار : آصعا من ذرة ، وأكل الجميع في حفل عرس بنت رسول الله . . وجاء المساء وزفت النسوة من المهاجرين والأنصار فاطمة وقالت في ذلك إحدى نساء الأنصار تصف عروسنا المباركة : كنب مع النسوة اللاتي أهدين فاطمة إلى علي ، فأهديناها في بردين من برود الأول عليها ملوجان من فضة مصفران بزعفران فدخلنا بيت علي فإذا إهاب شاة ووسادة فيها ليف وقربة ومنخل ومنشفة وقدح . وكانت أم أيمن من النسوة اللاتي حضرن الحفل فها هي ذي يشاركنها الرواية رواية قصة هذا العرس الرائع فتقول : أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عليا ألا يدخل على فاطمة حتى يجيئه ، وكانت اليهود يؤخرون الرجل عن أهله ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف بالباب وقال : السلام عليكم ورحمة الله أتأذنون لي ، فأذن له فقال : أثم أخي . فقالت أم أيمن ضاحكة مستغربة كلمة أخي : بأبي أنت وأمي يا رسول الله من أخوك ؟ قال عليه السلام : علي يا أم أيمن . قالت تكرر وتستغرب : وكيف يكون أخاك وقد زوجته ابنتك ؟ قال : هو ذاك يا أم أيمن . ثم دعا عليه السلام بماء فيه آنية فغسل فيه يديه ثم دعا عليا فجلس بين يديه فنضح على صدره من ذلك الماء وبين كتفيه . ثم دعا عليه الصلاة والسلام فاطمة قائلا : تعالى يا بنية ، فأقبلت على استحياء بغير خمار تعثر في ثوبها فنضح عليها من ذلك الماء ثم قال : والله ما ألوت أن زوجتك غير أهلي . وهم الرسول بالخروج وكان ذلك بعد صلاة العشاء بكت فاطمة فقال لها مباركا مهدئا : أي بنيتي قد تركتك وديعة عند رجل إيمانه أقوى إيمان وعلمه أكثر من علم الجميع وإنه أفضل الناس أخلاقا وأعلاهم نفسا . صدق رسول الله . وكان الزفاف بعد غزوة بدر لكن الخطوبة كانت قبل بدر ، ويروى في ذلك أن عمر السيدة فاطمة كان ثماني عشر سنة والإمام كرم الله وجهه في الخامسة والعشرين . وبدأت حياتها هنيئة راضية ، في رفاهية الإيمان وحلاوته وتقشف مادي سما فوقه إيمانها مما جعل العروسان الشابان يكسران حاجز السعادة بالمادة فقط لا بل ليست الرفاهية قصورا وحدائق فقط . فاطمة في بيت الإمام دخلت الزهراء البتول بيت الإمام وكانت أمه فاطمة بنت عبد الأسد سيدة قريش ذات طيب وشرف وخلق عظيم . وجاء علي بزوجته باسما هاشا للأم الرؤوم وقال : يا أماه اكفي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سقيان الماء والذهاب في الحاجة وهي تكفيك الداخل أي داخل البيت الطحن والعجن ، وحسبي أن الأم سعيدة بهذا المنزل لابنها الكريم الذي تزوج من ابنة حبيبه الذي عايش طفولته وشبابه وهاهو ذا يهديه ابنته وهو من المال قليل ومن الزاد ما يكفي يومه فقط صلى الله عليه وسلم . واستمرت الحياة هانئة جميلة بين العروس وزوجها ، وما تخلو الشهور الأولى من الزواج من دلال العروس حين يغضب الزوج قليل التجربة بمسؤولية الزواج ولكنها لا تطول وتتنظم الحياة هانئة بينهما فيما بعد ، ومما يذكر في ذلك خبر عظيم وجميل في سرده ليكون درسا مسبقا من الأسرة النبوية رضي الله عنهم أجمعين . حملت السيدة فاطمة حملها الأول وجاءت أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب وقالت : يا رسول الله رأيت رؤيا عجيبة ، فقال عليه السلام : خيرا . قالت : رأيت عضوا من أعضاء جسمك في بيتنا ، فابتسم وقال لها : خيرا رأيت تلد فاطمة غلاما فترضعينه ، وذهب إلى فاطمة وبشرها بغلام . وبعد أيام جاء الطفل الحسن بن علي بن أبي طالب فأولم عليه السلام وذبح شاة وقام بتوزيعها على الفقراء وأعطى القابلة فخذ الشاة ودينارا وراح والغلام يبكي ويعلو صوته في بيت الإمام فيجئ الرسول ويقول لفاطمة : أرضعي الحسن يا فاطمة فإن صوته يؤلمني ، رضي الله عنهم أجمعين . وتحركه فاطمة بين يديها وتقول : أشبه أباك يا حسن * خلع عن الحق الرسن واعبد إلها ذا منن * ولا توالي ذا الإحن وجاء بعده بعام الحسين ثم زينب ، وكانوا مكرمين عند جدهم الرسول صلى الله عليه وسلم وكان دائما يقول : الحسن والحسين ريحانتاي في الدنيا . وذات يوم تقاتل الحفيدان ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يضحك ويقول : إيها حسن . فقالت فاطمة والإمام علي كرم الله وجهه : يا رسول الله أعلى حسين تواليه ؟ فابتسم الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال : هذا جبريل يقول : إيها حسين ولم يطق الرسول أيضا سماع بكاء حسين بن علي فأسرع إلى فاطمة يقول : يا فاطمة أسكتي حسينا ألم تعلمي إن بكاءه يؤذيني ؟ وأنجبا السيدة زينب عقيلة بني هاشم كما سموها وعاشا على الإيمان والحب . نعم عاشا على الإيمان والحب لا طمع في الدنيا ومالها وزينتها والسمع والطاعة لتعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم . وهذا الإمام رضي الله عنه وكرم الله وجهه يروي لنا كيف كانا يواجهان حياتهما . قال الإمام : اشتكت فاطمة ما تلقى من الرحى وقد تعبت يداها من إدارتها فبلغها أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسبي - أي جاءه بعض الأسرى - فاتته تسأله خادما يساعدها في شؤون البيت فلم تجد أباها ، فذكرت ذلك للسيدة عائشة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت عائشة له ذلك فأتانا وقد أخذنا مضاجعنا وأردنا أن ننام فذهبنا نقوم . فقال عليه السلام : على مكانكما ، ألا أدلكما على خير مما سألتماني ؟ إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا الله ثلاثا وثلاثين واحمداه ثلاثا وثلاثين ، وسبحاه ثلاثا وثلاثين إن ذلك خير مما سألتماني . وكان ذلك مثلا لتضحية الرسول وأهله رضوان الله عليهم برغد هذه الدنيا والرغبة فيها بل آثروا شظفها وشقاءها على رغدها ونعيمها حبا في العدل وكرها في متاعها القليل ( إنما الحياة الدنيا لهو ومتاع ) . ولما رآها صلى الله عليه وسلم تقتني سلسلة من الذهب أهداها لها الإمام ، قال عليه السلام لفاطمة : يا فاطمة أيسرك أن يقول الناس ابنة الرسول في يدها سلسلة من نار ؟ ثم خرج عليه السلام ولم يعقد ، فأرسلت أم الحسن رضي الله عنها فباعتها واشترت بثمنها عبدا فأعتقته . فحدث الرسول بعد ذلك قائلا : الحمد لله الذي نجى فاطمة من النار .